أبي منصور الماتريدي

250

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ . أخبر أن ما أنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم ذلك ، إما الخلف في الدنيا ؛ كقوله : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [ سبأ : 39 ] ، وإما في الآخرة الثواب . وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [ يحتمل وجهين : يحتمل : وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ] « 1 » : فيما يأمركم بالجهاد في سبيل الله ، واتخاذ العدة والإنفاق فيها ؛ إذ « 2 » أنفسكم وأموالكم لله له أن يأخذها منكم . والثاني : وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ في الثواب في الآخرة ، أي : يعطيكم الثواب في الآخرة أو « 3 » الخلف في الدنيا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها . قرئ بالنصب « 4 » : للسلم ، وقرئ بالخفض « 5 » : للسلم

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : أن . ( 3 ) في أ : و . ( 4 ) هي قراءة نافع والكسائي وابن كثير . فقيل : هما بمعنى ، وهو الصلح مثل : رطل ، ورطل ، وجسر ، وجسر ، وهو يذكر ويؤنث ، قال تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [ الأنفال : 61 ] ، وحكوا : « بنو فلان سلم وسلم » ، وأصله من الاستسلام ، وهو الانقياد ، قال تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] الإسلام : إسلام الهدى ، والسلم على الصلح ، وترك الحرب راجع إلى هذا المعنى ؛ لأن كل واحد كصاحبه ، ويطلق على الإسلام ، قاله الكسائي وجماعة ، وأنشدوا : دعوت عشيرتي للسلم لما * رأيتهم تولوا مدبرينا ينشد بالكسر ، وقال آخر في المفتوح : شرائع السّلم قد بانت معالمها * فما يرى الكفر إلا من به خبل فالسّلم والسّلم في هذين البيتين بمعنى : الإسلام ، إلا أن الفتح فيما هو بمعنى الإسلام قليل ، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام : « السلم » . وقيل : بل هما مختلفا المعنى ، فبالكسر الإسلام ، وبالفتح : الصلح . قال أبو عبيدة : وفيه ثلاث لغات : السلم والسلم والسلم ، بالفتح والكسر والضم . انظر : السبعة ( 181 ) ، والحجة ( 2 / 292 ) ، وحجة القراءات ( 130 ) ، والعنوان ( 73 ) وشرح شعلة ( 288 ) ، وشرح الطيبة ( 4 / 95 - 96 ) ، وإتحاف الفضلاء ( 1 / 435 ) ، واللباب ( 3 / 473 - 474 ) . ( 5 ) قرأها بالخفض هنا أبو بكر وحده عن عاصم ، والتي في البقرة آية ( 208 ) . والتي في القتال آية ( 35 ) لم يقرأها بالكسر إلا حمزة وأبو بكر أيضا . ينظر : الإملاء للعكبري ( 2 / 25 ) ، والتبيان ( 5 / 174 ) ، والحجة لابن خالويه ( 172 ) ، والكشاف للزمخشري ( 2 / 133 ) .